ملا محمد مهدي النراقي
167
جامع السعادات
ولا ريب في أن حب الله - تعالى - أشد من كل حب ، وشغل القلب به أعظم الشواغل ، إذ جمال الحضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ، فمن ينكشف له شئ منها ، فقد يبهره بحيث يدهش ويخشى عليه ، ولا يحس بما يجري عليه . وثانيهما - ألا يبلغ الاستغراق في الحب بحيث لا يحس بالألم ولا يدركه ، ولكن يكون راضيا به ، بل راغبا فيه ، مريدا له بعقله ، وإن كان كارها له بطبعه ، كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة ، فإنه يدرك ألمه ، إلا أنه راض به وراغب فيه . فالمحب الخالص لله إذا أصابته بلية من الله ، وكان على يقين بأن ثوابها الذي ادخر له فوق ما فاته ، رضي بها ورغب فيها ، وأحبها وشكر الله عليها . هذا إن كان نظره إلى الثواب والأجر الذي يجازى به على ابتلائه بالمصائب والبلايا ، وربما غلب الحب بحيث يكون حظ المحب ولذته وابتهاجه في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده مطلوبا ، وكل ذلك مشاهد محسوس في حب الخلق ، فضلا عن حب الخالق والجمال الأزلي الأبدي الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط والخطأ ، فإن القلوب إذا وقفت بين جماله وجلاله ، فإذا لاحظوا جلاله هابوا ، وإذا لاحظوا جماله تاهوا ويشهد بذلك حكايات المحبين ، على ما هو في الكتب مسطورة ، وفي الألسنة والأفواه مذكور . فإن للحب عجائب من لم يذق طعمها لا يعرفها . وقد روينا : أن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق ( ع ) ، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه ، فشغلهم جماله عن الاحساس بألم الجوع . بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك ، وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله ، حتى ما أحسسن بذلك . وروي ( أن عيسى ( ع ) مر برجل أعمى وأبرص ، مقعد مفلوج ، وقد تناثر لحمه من الجذام ، وهو يقول : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من الناس فقال عيسى : يا هذا ! أي شئ من البلاء تراه مصروفا عنك ؟ فقال : يا روح الله ! أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفة ، فقال : صدقت ! هات يدك ، فناوله يده ، فإذا هو أحسن الناس وجها ، وأفضلهم